Friday, May 25, 2007

المرأة بين الصحيح التصور وخطئه لمحمد سيف عبد الله العديني

إن الدارس لنصوص شريـعة وأصول هذا الدين سيجد أن الرأي الذي يظلم ويحتقر المرأة هو الذي يفرق بين الشريعة كوحي سماوي وبين ما يفهم منها من قبل العلماء والفقهاء كفهم بشرى؛ فالشريعة الإسلامية هي كلام الله سبحانه ممثلة بالقرآن الكريم وبالسنة الصحيحة التي تمثل الوحي بالمعنى، فكلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل حكيم حميد، وحديث رسول الله الصحيح الخاص بالأوامر والنواهي هو وحي يقول تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"، "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه".
والشريعة الإسلامية لها خصائص فقائلها هو الله، فهي من عند الله ربانية المصدر، وعالمية الزمان والمكان والإنسان، وشاملة للزمان والمكان والإنسان، وتتسم بالعدالة الطلقة لأنها من عند الله سبحانه، وكذلك بالوسطية والاعتدال، ولقد بسط القول في هذه الحقائق الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الخصائص العامة للإسلام وبقية كتبه وللشريعة مقاصدها التي تمثل حقوق الإنسان وهي:
حفظ الدين، وجعلت كمناط ذلك بحقوق الحياة، وحفظ النفس وجعلت مناط ذلك بحقوق الحرية الرأي والتعليم، وحفظ النسل وجعلت مناط ذلك وبالحق الشخصية والأسرية, وحفظ العقل وجعلت مناط ذلك بحرية الرأي والتعليم، وحفظ المال وجعلت مناط ذلك بحقوق الذمة المالية والحرية الاقتصادية والتملك.
الحق في الشريعة الإسلامية
هو الذي حدده الله سبحانه وتعالى وجعله بأصل الخلقة قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر"، "ذلك بأن الله هو الحق" والرأي المتشدد والخاطئ لا يأخذ بالاعتبار بأن الشريعة أنزلها الله من أجل الإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه ولونه وجنسه. لتحفظ حقوقه، وكل تعاليم الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الإنسان في دنياه وآخرته.. لأن الله حدد وجود العبودية لينال الأجر في الآخرة، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، "وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة"، فالشريعة الإسلامية جاءت وهدفها العام والمحوري هو حماية حقوق الإنسان والحفاظ عليها، وإبعاد المفاسد عن الإنسان ومحاربتها.
والرأي الذي يظلم المرأة ويحتقرها هو الذي يخلط بين النص المقدس وغير المقدس البشري وحتى لا نخلط بين المقدس وغيره في الثقافة الإسلامية، فما يفهم من الشريعة يسمى: تراثا، فقها، فكرا، تصورا، فهذا يمثل فهم وتفسير وشرح البشر من نصوص الشرع إذا كان متطابقا مع الخصائص والمقاصد الشرعية ولا تخالف النصوص الصحيحة فهي تأخذ النصوص وتقرب من القداسة والاحترام والتطبيق، وما يخالف ذلك فهو محل أخذ ورد وصواب وخطأ ولابد أن ندرك أن تراث المسلمين التربوي والفقهي وغيره، هو ما ورثناه من فهوم السابقين، فمن المفترض أن نتعامل معه كجهد بشري يمثل إفهام وشروح العلماء والفقهاء والمؤرخين والمحدثين للوحي وذلك مرتبط ولا شك بهموم ومشكلات وتصور وأسلوب للإنسان لن تخلو من طبيعة الإنسان من مثل التحيز والتميز ونحن نلحظ هذا واضحا في التعامل بين الجماعات والأحزاب والدول، أما الحقوق في الشريعة الإسلامية فهي تمثل العدل المطلق لأنها من عند الله (وما ربك بظلام للعبيد)، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، ومما سبق ندرك أن نصوص الشريعة تمثل خطاب الله للمسلمين المكلفين بدون تفرقة، بين الرجال والنساء إلا ما استثني بسبب التكوين العضوي من مثل أحكام الحيض والنفاس، وعقد النكاح، والطلاق والعدة.
ولقد قرر الله سبحانه وتعالى بأن الأصل التساوي وحرّم التمايز والتباين لا يكون إلا بالتقوى عند الله، وفي الدنيا التفاصيل يكون في المعارف والمهارات والأخلاق المكتسبة بالجهد البشري، وهذا الرجال والنساء فيه سواء ولقد انطلقت الشريعة فيما استثنى من خلال التكامل والتعاون والتناسق في الأدوار فيما قد يفهم أن فيه تميزا للرجل عن المرأة قال تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة"، "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" سورة البقرة، وقال تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.."، "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" سورة النساء، ومع هذا الوضوح، ولعلم الله سبحانه بأن العادات والتقاليد قد يفرضها القوي لصالحه، وجه الله خطابه إلى الظلمة والمفسدين من الرجال لمنعهم من ظلم المرأة والاعتداء على حقوقها الشرعية بشكل عام، فيقول تعالى: "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن.." سورة البقرة، وقال تعالى: "ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن" سورة النساء 19، "ولا تمسكوهن ضراراً لتعدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه..." سورة البقرة 131، وقال تعالى: "ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا ولا تضارهن لتضيقوا عليهن" سورة الطلاق 6، ولقد جاء كلام الله عن الإيلاء والطلاق والخلع والعدة والنفقة والرضاعة والميراث ليضع حدا لتقاليد كانت تظلم وتحتقر وتمتهن المرأة في الجاهلية.
ولابد أن يفهم المسلمون رجالاً ونساء أن الشريعة الإسلامية قررت حقوق الإنسان من خلال ميزان العدل الرباني والذي يقوم على كفتين: كفة الواجبات على الفرد نحو الآخرين في أي علاقة أو موقع، وكفة الحقوق التي يجب أن يُطالب بها الفرد، وهي واجبات الآخرين.
وبهذا الميزان يجب على كل مسلم ومسلمة الرد على تساؤلات تتبادر إلى ذهنه، فعليه أن يرجعها للواجبات والحقوق، ولنا أن نسأل إذا كانت الشريعة الإسلامية قد حددت الواجبات والحقوق وبخاصة حقوق المرأة، فلما تنتهك حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص في العالم العربي الإسلامي اليوم، والجواب هناك عوامل كثيرة تحتاج إلى توعية وفهم وبرمجة جديدة للعقل الباطن ومعالجة وتصحيح أذكر منها:
العامل الأول: لم يتفق المسلمون على الفصل بين الخلاف المحرم والممزق للأمة وخلاف التنوع المحمود الذي يوحد الأمة ويثريها وينتج المفكرين والمبدعين الأحرار، ولقد استدعيت النصوص وركبت نصوص باسم الشرعية لتقف في صف الأقوياء في صف القبيلة والعصبية وفي الرجل وإهانة المرأة.
العامل الثاني: لم يتفق المسلمون على الفصل الواضح بين ثوابت الشريعة ومتغيراتها ومساحة مرونتها للاجتهاد واستيعاب مستجدات الحياة، ولهذا الغموض والخلط كبير عند بعض المسلمين بين شريعة الإسلام ومورثات المسلمين البشرية.
** وفيما يخص المرأة المسلمة
هناك الموروث الخاطئ وهناك الموروث الصحيح والذي يحب أن تستنير به الأمة والموروث الضعيف الذي يستند إلى العادات والتقاليد, وهو الغالب للأسف عند الرجال والنساء, ويشكل العقل الباطن الذي يقول عن المرأة بأنها هي سبب الشر وهي فتنة, ودورها أن يتمتع بها الرجل وهي تابعة له ولا بد أن تكون كائنا مطيعا ذليلا ضعيفا له, وهي كالعبد للسيد بالنسبة للرجل وكان يقال قديما لأن تعليمها حرام وخروجها حرام وصوتها عورة وخروجها فتنة والأصل ألا تخرج إلا من بيت أبيها إلى زوجها ثم إلى القبر ولقد كتبوا ونظروا وتفننوا في وأد المرأة معنويا, وكانت تسمى مكلف من الكلفة وفي العقل الباطن أصبحت المرأة لا تثق بنفسها وتتكل على الرجل في كل شيء, وتتقبل الإهانة والاحتقار بصدر رحب ولا تجرؤ أن تقاوم وتحاور وتناقش وتتابع حقوقها وعزلت المرأة عن الشأن العام الكلي للأمة وعزلت حتى من الشأن الأسري كصاحبة قرار, وفي هذه الحقبة من حياة الأمة المسلمة وبخاصة المرأة المسلمة المعاصرة تتعرض لطرفين متناقضين من الدعاة والشد والجذب:
الأول: رجل غربي الفكر والتصور وهو يدعي الانتماء إلى الإسلام وخارطة عقله الباطنة معبأة بالإعجاب وحب الثقافة الغربية, وبما وصلت إليه المرأة الغربية من الحرية والعلاقة المفتوحة بدون ضوابط بين الرجال والنساء, وأصبح هذا عنده هو المثال ويطالب أن تكون المرأة المسلمة متبعة للمرأة الغربية اتباعاً شاملاً والبعض من هذا الصنف هو في قرارة نفسه يريد المرأة للتمتع الجنسي فقط.
الثاني: يمثل الفعل والنقيض هو رجل صادق الانتماء للإسلام ولكن خارطة عقله الباطن معبأة بمفاهيم خاطئة وكلها روابط سلوكية عن المرأة ويعتبرها من الدين وهي من مورثات عصور الانحطاط الذي أدخل عادات الجاهلية العربية والهندية والفارسية وتصورات الديانات الهندوسية والهرمسية ثم ألبستها الدثار الإسلامي من مثل: المرأة شر كلها, وصوتها عورة, وجسمها كله شر وعورة, وذكر اسمها عيب, وخروجها شر ودخولها شر, وعقلها ناقص وسفيه, وهي كالصبيان والسفهاء، وخلقت من أجل خدمة الرجل وهذا الصنف يقرأ نصوص الشريعة الإسلامية بعقول عصور الانحطاط, وهذا الفكر المبثوث في كتب التفاسير والفقه والزهد... الخ.
وتأثر به الفقهاء المذهبيون والمدارس التربوية المختلفة وصادف هوى عند الرجل, والمطلوب اليوم أن نعود إلى ما أراده الله لنا من الاعتدال والوسطية قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على النا
س).

No comments: